السيد محمد صادق الروحاني

7

زبدة الأصول (ط الخامسة)

بين العمق الفلسفي وسلاسة الفهم العرفي ، لتتجلّى من خلالها مدرسة الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سره بأبهى صورها وأوضح ملامحها . وقد تكاملَ الفكر الأُصولي على يد هؤلاء الأعلام تكاملًا ملحوظاً ، فاتّضحت الكثير من أسراره وغوامضه ، وتبلورت الكثير من أُطروحاته ونظريّاته ، سيّما وأنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء العباقرة قد ربّى نُخبةً من التلامذة الذين كانت لهم إسهامات كبيرة في تجلية أفكار أساتذتهم ، وإبراز نقاط القوّة فيها . ( 3 ) وكانَ من أبرز وأكفأ تلامذة هذه المدارس الثلاث : سيّد أساطين العلم ، السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي قدس سره ، فإنّه مضافاً إلى حضوره عند أرباب هذه المدارس الثلاث جميعاً ، قد تميّز وبرعَ جدّاً في نقاط القوّة الموزّعة بين المدارس الثلاث ، فجاءت مدرسته الاصوليّة مزيجاً بين مدرسة الأصفهاني والعراقي والنائيني ، وإن كانت أقرب إلى هذه الأخيرة من غيرها . وقد منحَ اللَّه تعالى هذا السيّد العظيم قدرةً فائقة من البيان ، فاستطاعَ من خلالها أن يُبَلوِرَ نظريّات هذه المدارس الثلاث بشكلٍ منقطع النظير ، حتّى قالَ فيه أحدُ تلامذته ، وراحت مقولته مثلًا سائراً : « لقد أنسى مَن قبله ، وأتعبَ مَنْ بعده » « 1 » . ولذلك كانَ هو الوحيد - من تلامذة المحقّقين الثلاثة قدس سرهم - الذي وفّقه اللَّه تعالى لاجتماع الآلاف من الأجيال

--> ( 1 ) وما أفاده هذا القائل وإن كان تامّاً وصحيحاً بحسب الحيثيّة التي لاحظها ، إلّاأنّه بلحاظ حيثيّةٍ أخرى قد يُقال : إنّ المحقّق الخوئي قدس سره لم يُتعب مَن جاؤوا بعده بل أراحهم ، نظراً لما منحه اللَّه تعالى من جمال البيان وسحره ، والقدرة على استحضار الأمثلة الحسيّة لتقريب المطالب العقليّة ، فإنّ كثيراً من المغلقات الاصوليّة التي يمرّ بها الحوزوي في كلمات الشيخ الأعظم أو المحقّق الآخوند أو أحد المحقّقين الثلاثة قدس سرهم لا يبرح حتّى تنفتح له مغاليقها على يد المحقّق الخوئي ، كما أنّ كثيراً من المعضلات الفقهيّة التي يصطدم بها الطالب في كلمات صاحب الجواهر أو المحقّق الهمداني أو السيّد الحكيم قدس سرهم ما أسرعَ أن يصل الطالب إلى عمق جذورها عندما يقرأها في كلمات المحقّق الخوئي قدس سره ، فهو من هذه الجهة قد أراحَ من بعده كثيراً .